أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

150

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

فصل في الشريعة والطريقة والحقيقة اعلم أن الحقيقة أن ترى أن اللّه عزّ وجل هو المتصرف في خلقه ، يهدي ويضل ، ويعز ويذل ، ويوفق ويخذل ، ويولي ويعزل . فالخير والشر ، والنفع والضر ، والإيمان والكفر ، والفوز والخسران ، والزيادة والنقصان ، والطاعة والعصيان ، بقضائه وقدره وحكمه ومشيئته ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، لا يخرج عن مشيئته لفظة ناظر ، ولا فلتة خاطر ، لا راد لحكمه ، ولا معقب لقضائه وقدره ، ولا مهرب لعبده من معصيته إلا بتوفيقه ورحمته ، ولا قوة له على طاعته إلا بإرادته ومعونته ومحبته ، فعرفنا أن هذه الصفات التي صدرت بالقضاء والقدر حقيقة . ثم إن اللّه تبارك وتعالى جعل للعبيد كسبا واختيارا ميزهم به عن الجمادات والبهائم ، فجعل العبد قادرا على الفعل ، وخلق له نية قصد يختار بها الفعل ، ليمتاز به عن المكروه والمحظور ، ثم إنه سبحانه أرسل الرسل وأنزل الكتب والإيمان والطاعة ، ونهى عن الكفر والمعصية ، وأخفى عن العباد ما علمه من أحوالهم ، وما أراد من أفعالهم ، فمن كان في علمه القديم وسابق مشيئته سعيدا يسر له الطاعة ، ومن كان في علمه القديم وسابق مشيئته شقيا منعه الطاعة ؛ فالاعتبار بالخاتمة وهي السابقة ، وله الحجة البالغة ، وسطوة قهره للباطل دامغة لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ( 23 ) [ الأنبياء : 23 ] . فنقول : إذا قيل ما الفرق بين الشريعة والحقيقة ؟ الجواب : الشريعة ما ورد به التكليف ، والحقيقة ما ورد به التعريف ، فإذا الشريعة مؤيدة بالحقيقة ، والحقيقة مؤيدة بالشريعة فمن كل وجه كل شريعة حقيقة وكل حقيقة شريعة ، وفي عرف القوم يفرقون بينهما ، فالشريعة بواسطة الرسل ، والحقيقة تقريب بغير واسطة ، وربما يشار بالشريعة إلى الواجبات بالأمر ، والزجر بالحقيقة إلى المكاشفات بالسر ، والشريعة وجود الأفعال له ، والحقيقة شهود الأحوال به والشريعة القيام بشروط الفرق ، والحقيقة الكون بحقوق الجمع ، والشريعة القيام بشروط العلم ، والحقيقة الاستسلام لغلبة الحكم ، والشريعة خطابه لعباده وكلامه الذي أوصله إلى خلقه بأمره ونهيه ، ليوضح لهم المحجة ويقيم به الحجة . والحقيقة تصريفه في خلقه ، وإرادته ومشيئته التي يخص بها من اختاره من أحبابه ، ويقضي بها على من أبعده عن بابه . وقيل الشريعة أوامر اللّه ونواهيه ، والحقيقة تصريفه فيما يقضيه . وقيل الشريعة خطابه وكلامه ، والحقيقة تصريفه